بقلم محمد سلمان، رئيس التحرير
نجحت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية في بناء واحد من أكثر الأسواق العقارية نشاطاً وجاذبية في العالم. التشريعات تطورت، إجراءات التسجيل أصبحت أكثر سهولة، الاستثمار الأجنبي توسع، ونمت ثقة المستثمرين بصورة واضحة.
وفي دبي وحدها بلغت قيمة التعاملات العقارية في الربع الأول من 2026 نحو 252 مليار درهم، بزيادة 31% على أساس سنوي، بحسب دائرة الأراضي والأملاك، وهو رقم يعكس قوة السوق وحجم السيولة والثقة التي استطاعت الإمارة جذبها.
وفي أبوظبي أيضاً، شكلت مبيعات الوحدات على المخطط نحو 89% من قيمة المبيعات السكنية في النصف الأول من 2026، ضمن سوق شهد نمواً كبيراً في حجم التعاملات.
هذه الإنجازات لم تأت من فراغ.
الحكومة قامت بما عليها إلى حد كبير: وفرت البيئة القانونية، والبنية التحتية، والتسهيلات، وآليات التسجيل، وحسابات الضمان للمشاريع على المخطط، ووضعت منظومة رقابية هدفها حماية السوق وتعزيز الثقة فيه. وفي دبي، يتطلب تسجيل المشروع العقاري وفتح حساب ضمان استيفاء مجموعة من المتطلبات التنظيمية قبل البيع على المخطط.
لكن بعد كل ذلك، تبدأ مسؤولية الطرف الآخر.
المطور العقاري.
وهنا يجب أن نطرح سؤالاً أصبح أكثر أهمية مع العدد الكبير من المشاريع الجديدة:
هل يكفي أن يكون هناك طلب اليوم حتى نستمر في إطلاق المشاريع بلا حدود؟
أم أن الحفاظ على السوق يتطلب من المطور أن يفكر أيضاً فيما قد يحدث غداً؟
حرية السوق لا تعني تجاهل المخاطر
السوق العقاري في النهاية سوق مفتوح تحكمه قواعد العرض والطلب.
ولا يمكن الاعتراض على حق المطور في إطلاق مشروع جديد إذا كان يرى فرصة تجارية حقيقية.
لكن الحرية الاقتصادية لا تعني أن السوق بلا مسؤولية.
فالمطور الذي يبيع آلاف الوحدات على المخطط لا يتعامل فقط مع أرقام في جدول مبيعات، بل مع مدخرات مستثمرين وأسر قد تكون دفعت جزءاً كبيراً من أموالها مقابل وحدة لن تستلمها إلا بعد سنوات.
وهنا تصبح المسؤولية أكبر من مجرد تحقيق المبيعات.
المطلوب ليس بيع المشروع اليوم.
المطلوب القدرة على إنجازه غداً، حتى لو تغيرت ظروف السوق.
سباق إطلاق المشاريع
خلال فترة الصعود القوي للسوق شاهدنا وتيرة مرتفعة من إطلاق المشاريع.
في أحيان كثيرة نجد مشاريع متشابهة إلى حد كبير: التصميم نفسه تقريباً، والمرافق نفسها، وخطط السداد نفسها، وحتى لغة التسويق تكاد تتكرر.
الجميع يريد جزءاً من الطلب القوي.
وهذا مفهوم من الناحية التجارية.
لكن السؤال هو: ماذا يحدث إذا استمر المعروض في الارتفاع بينما تباطأ الطلب؟
في بداية 2026 كانت عمليات الإطلاق في دبي تُمتص بسرعة كبيرة، إلا أن وتيرة إطلاق المشاريع هدأت لاحقاً مع ارتفاع المخاطر الإقليمية وتغير مزاج بعض المشترين.
وشهد السوق بالفعل مثالاً واضحاً على مدى سرعة تأثر المبيعات بالعوامل الخارجية؛ إذ ذكرت تقارير في سبتمبر أن إحدى شركات التطوير سجلت انخفاضاً كبيراً في مبيعاتها خلال فترة التوترات الإقليمية قبل أن تستعيد جزءاً كبيراً منها لاحقاً.
وهذه نقطة مهمة.
السوق قوي، لكنه ليس معزولاً عن العالم.
حرب، أزمة مالية، ارتفاع كبير في أسعار الفائدة، اضطراب في حركة الطيران أو التجارة، أو حتى تغير مفاجئ في ثقة المستثمرين يمكن أن ينعكس على قرار شراء عقار قيمته مليون أو خمسة ملايين أو عشرين مليون درهم.
المشكلة ليست في كثرة المشاريع وحدها
قد يقول المطور: إذا كان هناك مشترٍ، فلماذا لا أبيع؟
وهذا صحيح إلى حد ما.
لكن المشكلة تظهر عندما يتم بناء خطط النمو على افتراض أن الطلب الحالي سيستمر بالمستوى نفسه لسنوات طويلة.
السوق العقاري بطبيعته دوري.
يصعد.
يهدأ.
ثم يصعد من جديد.
والمطور القوي ليس من يحقق أعلى مبيعات في فترة الازدهار فقط، وإنما من يبني ميزانيته وجدول مشاريعه بحيث يستطيع الاستمرار إذا تباطأت المبيعات لمدة سنة أو سنتين.
ولهذا فإن السيولة والانضباط المالي والقدرة الفعلية على الإنشاء قد تصبح في المرحلة المقبلة أهم من عدد المشاريع التي يستطيع المطور الإعلان عنها.
وهناك بالفعل حديث متزايد في السوق عن مرحلة جديدة يصبح فيها الانضباط المالي والسيطرة على تكاليف الإنشاء وسلاسل التوريد عوامل أساسية في قدرة المطورين على الاستمرار.
المستثمر شريك في المخاطرة.. ولكن إلى أي حد؟
عندما ترتفع الأسعار، يكون الجميع سعداء.
المطور يحقق أرباحاً.
والمستثمر يرى قيمة عقاره ترتفع.
والوسيط يبيع.
والسوق ينمو.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتغير الظروف.
لنفترض أن مستثمراً اشترى وحدة بمليوني درهم.
وبعد فترة، تباطأ السوق واضطر المطور إلى تقديم الوحدة نفسها أو وحدة مشابهة بسعر أقل بكثير، أو بخطة سداد أكثر جاذبية.
المشتري الأول سيقول: لقد وثقت بالمشروع واشتريت مبكراً، فلماذا أدفع أكثر؟
وغالباً سيكون الرد:
هناك عقد بين الطرفين.
وهذا صحيح قانونياً في الأصل، فالعقد يلزم طرفيه ضمن أحكام القانون.
لكن المسألة التي أطرحها هنا ليست قانونية فقط.
إنها مسألة ثقة طويلة الأجل.
المطور الذي يعتمد دائماً على عبارة «العقد شريعة المتعاقدين» قد يكون محقاً قانونياً، لكنه يحتاج أيضاً إلى السؤال عن أثر قراراته التجارية على المستثمر الذي يريد أن يعود للشراء مرة ثانية وثالثة.
لا يجوز أن يتحول المستثمر إلى الطرف الأضعف دائماً
حين ترتفع السوق يستفيد المطور والمستثمر معاً.
لكن عندما تنخفض، لا ينبغي أن يشعر المستثمر أن كل المخاطر انتقلت إليه وحده.
لا أقول إن على المطور تعويض كل مستثمر عن أي انخفاض في السعر.
هذا غير منطقي في سوق حر.
ولا يمكن للحكومة ضمان أرباح المشتري.
لكن هناك فرقاً بين الخسارة الناتجة عن حركة السوق الطبيعية وبين الخسارة الناتجة عن إفراط المطور في التوسع، أو ضعف السيولة، أو التأخر في التنفيذ، أو تغيير شروط المنافسة بصورة كبيرة بعد البيع.
هنا يصبح النقاش مختلفاً.
لأن المستثمر لم يشترِ سهماً يتغير سعره كل ثانية.
هو دفع أموالاً في مشروع يفترض أن المطور درس قدرته على تنفيذه حتى في الظروف الصعبة.
أخطر ما يمكن أن يحدث هو التأخير
انخفاض السعر مؤلم للمستثمر، لكن تأخر المشروع قد يكون أسوأ.
المشتري قد يكون مرتبطاً بقرض.
وقد يكون خطط لتأجير الوحدة.
أو باع عقاراً آخر لتمويلها.
أو انتقل من دولة أخرى بناء على موعد التسليم.
وهنا يصبح التأخير أكثر من مجرد رقم في تقرير المشروع.
يصبح مشكلة مالية حقيقية للمشتري.
ولهذا فإن التوسع غير المدروس في عدد المشاريع قد يتحول إلى خطر إذا تجاوز قدرة المطور الإدارية والمالية والتنفيذية.
ليس المهم كم برجاً تستطيع الشركة الإعلان عنه.
المهم كم برجاً تستطيع تسليمه في موعده وبالمواصفات التي باعتها للمستثمر.
السوق الإماراتي قوي.. وهذا بالضبط سبب ضرورة حمايته
لا أكتب هذا المقال لأنني أعتقد أن السوق العقاري الإماراتي يمر بأزمة.
الأرقام الحالية لا تقول ذلك.
بل على العكس، المؤشرات الرسمية تظهر قوة كبيرة في النشاط والاستثمار، كما أن البيئة التنظيمية والاقتصادية للدولة ما زالت من أهم نقاط الجذب عالمياً.
لكن قوة السوق هي السبب الذي يجعلنا مطالبين بحمايته قبل ظهور المشكلة، وليس بعدها.
الأزمات العقارية الكبرى في العالم لم تبدأ عادة عندما كان الجميع خائفاً.
بدأت عندما كان الجميع واثقاً بأن الأسعار ستستمر في الصعود وأن الطلب لن يتوقف.
وهذه أخطر لحظة في أي دورة اقتصادية.
عندما تتحول الثقة إلى يقين.
جني الأرباح حق.. لكن الاستدامة مسؤولية
لا يمكن لوم المطور على رغبته في الربح.
هذا هو أساس النشاط التجاري.
لكن الربح المستدام مختلف عن مطاردة المبيعات في كل مشروع وكل منطقة وفي كل وقت.
المطور الحقيقي لا يفكر فقط في الربع القادم.
يفكر في خمس سنوات وعشر سنوات.
يفكر في سمعته.
وفي المشترين الذين سيعودون إليه.
وفي قدرته على الوفاء بالتزاماته إذا هبطت المبيعات 30% أو 40%.
وفي المصرف الذي يموله.
وفي المقاول الذي ينتظر مستحقاته.
وفي المستثمر الذي دفع أمواله قبل أن يرى المبنى قائماً.
المطلوب ليس إبطاء السوق
لا أطالب بوقف المشاريع ولا بتقييد المنافسة.
ولا أعتقد أن التدخل المفرط في الأسعار سيكون حلاً.
ما أطالب به أبسط من ذلك:
دراسة العرض الحقيقي قبل إطلاق المزيد من المشاريع.
التأكد من وجود سيولة كافية لإكمال المشروع إذا تباطأت المبيعات.
عدم بناء الخطة المالية على افتراض بيع كل الوحدات بسرعة.
الالتزام الصارم بمواعيد التسليم.
والتعامل مع المشتري باعتباره شريكاً طويل الأجل، لا مجرد دفعة أولى وعقد بيع.
كما أن السوق نفسه يحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية حول حجم المعروض المستقبلي، ونسب الإنجاز، ومواعيد التسليم، وحجم الوحدات التي ستدخل السوق في كل منطقة.
المعلومة لا تضر السوق.
المعلومة تحميه.
ناقوس حذر وليس ناقوس خطر
السوق العقاري الإماراتي يمتلك أساسيات قوية جداً.
لكن لا يوجد سوق في العالم يرتفع إلى الأبد بالوتيرة نفسها.
ولهذا فإن أفضل وقت للاستعداد للتباطؤ هو أثناء الازدهار، وليس بعد وقوعه.
على المطورين أن يتذكروا أن المستثمر الذي يأتي من لندن أو الهند أو الصين أو السعودية أو أي مكان آخر لا يشتري حجراً وإسمنتاً فقط.
هو يشتري الثقة في الإمارات وفي سوقها وفي اسم المطور الذي وضع أمواله معه.
الحكومة بنت بيئة استثمارية جذبت العالم.
والمسؤولية الآن تقع أيضاً على القطاع الخاص في ألا يحول النجاح إلى سباق غير محسوب على إطلاق المزيد والمزيد من المشاريع.
حرية السوق لا تعني حرية تجاهل المخاطر.
والربح لا ينبغي أن يعمي المطور عن حقيقة بسيطة:
في السوق القوية يستطيع الجميع البيع.
لكن المطور الحقيقي يظهر عندما يتغير السوق، وتصبح المبيعات أصعب، ويظل رغم ذلك قادراً على البناء والتسليم والوفاء بوعده.
ولهذا فالمطلوب اليوم ليس الخوف من السوق العقاري الإماراتي، بل التريث، والانضباط، والنظر إلى ما بعد دورة الازدهار الحالية.
فالعقار استثمار طويل الأجل.
ومن يريد بناء سوق عالمي لعقود، لا ينبغي أن يدير مشاريعه بعقلية مبيعات الأشهر القليلة المقبلة فقط.